الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ما هذا الذي قال ، فلما كثر استعمالها بدون ذكر اسم الموصول قيل إن ( ذا ) بعد الاستفهام تصير اسم موصول ، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ [ البقرة : 255 ] . وقرأ ابن عامر ويعقوب فُزِّعَ بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل ، أي فزّع اللّه عن قلوبهم . وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اللّه يقول لآدم : « أخرج بعث النار من ذريتك » ، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأهل المحشر كلهم « ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار » . وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له : « سل تعط واشفع تشفّع » ، وفي حديث أبي سعيد « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه » . وجملة وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ تتمة جواب المجيبين ، عطفوا تعظيم اللّه بذكر صفتين من صفات جلاله ، وهما صفة الْعَلِيُّ وصفة الْكَبِيرُ . والعلو : علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم . والكبر : العظمة المعنوية ، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة ، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب ، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل . وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ في سورة الحج [ 62 ] . واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في « صحيح البخاري » وغيره : أن نبيء اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا : ما ذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير » ا ه . فمعنى قوله في الحديث : قضى صدر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه ، وقوله في الحديث : « في السماء » يتعلق ب « قضى » بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة ، وقوله : « خضعانا لقوله » أي خوفا وخشية ، وقوله : فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أي أزيل الخوف عن نفوسهم .